السبت، 31 أغسطس 2013

يغطيها

لابد أن يغطيها الآن وإلى الأبد

قادها خلال جدار من الأشجار الشائكة، التي كان من الصعب عليها أن تخترقها، إلى مكان به فراغ صغير وكومة من الأغصان الميتة. رمَى ببعض الأعشاب الجافة، وفوقها وضع معطفه، وهناك كان عليها أن تستلقي تحت أغصان الشجرة، كحيوان، فيما انتظر، واقفًا هناك.. يراقبها بعينين مسحورتين. لكنه ظل متحفظًا- جعلها تستلقي تمامًا، تمامًا. لكنه مزق رباط الملابس الداخلية، لأنها لم تساعده، واستلقت فقط جامدة.
هو أيضًا عرَّى الجزء الأمامي من جسده، وأحست بجسده العاري على جسدها حين أتى إليها. وللحظة، ظل ساكنًا داخلها، منتفخًا ومرتجفًا. ثم بدأ في الحركة، في الوصول المفاجئ بلا حيلة، فأيقظ فيها ارتجافات غريبة تتماوج داخلها. تتماوج، تتماوج، تتماوج، كلهيب ناعم يرفرف متداخلا، ناعم كالريش، يجري إلى نقاط التألق والروعة، الروعة وذوبانها كلها في الأعماق. كانت كأجراس متماوجة عاليًا وعاليًا حتى الذروة. رقدت بلا وعي بالصرخات الصغيرة الوحشية التي أطلقتها في النهاية. لكنها سرعان ما انتهت، بسرعة كبيرة، ولم تعد تملك القدرة على أن الوصول إلى خاتمتها بمجهودها الذاتي. كان ذلك مختلفًا، مختلفًا. لم تملك فعل أي شيء. لم تعد تملك سلطانًا عليه لتحقيق إشباعها. لا تملك سوى الانتظار، أن تنتظر وتئن في أعماقها وهي تحس به ينسحب، ينسحب وينقبض، وهو يصل إلى اللحظة المريعة التي ينسل منها فيها ويمضي. فيما كان رحمها كله مفتوحًا وناعمًا، ويستجدي بنعومة، كشقَّار البحر تحت المد، يستجديه أن يعود من جديد ويحقق إشباعها. تشبثت به في شغف بلا وعي، ولم ينسل منها تمامًا، وأحست ببرعمه الطري داخلها يهتز، وإيقاعات غريبة تتدفق فيها مع حركة إيقاعية غريبة متنامية، تتزايد وتتزايد إلى أن ملأت كل وعيها المشقوق، ثم بدأت من جديد الحركة الصامتة التي لم تكن حركة بالفعل، بل دوامات صافية تزداد عمقًا من الإحساس تهتاج أعمق فأعمق خلال كل مسامها ووعيها، إلى أن أصبحت سائلاً خالصًا متعدد المراكز من الإحساس، واستلقت هناك صارخة في صرخات لا واعية بلا وضوح. انطلق الصوت من أقصى الليل، والحياة! سمعه الرجل تحته مع نوع من الهلع، وحياته تندفق فيها. وحينما همدت، همد أيضًا واستلقى ساكنًا تمامًا، دون أن يدري، فيما استرخت ببطء قبضتها عليه، واستلقت جامدة. استلقيا ولم يعرفا أي شيء، ولا حتى عن بعضهما البعض، ضائعين معًا. إلى أن بدأ- في النهاية- في النهوض، وأصبح واعيًا بعريه الأعزل، وأدركت هي أن جسده كان يرخي اعتصاره لها. انفصل عنها، لكنها أحست في صدرها أنها لا تحتمل أن يتركها بلا غطاء. لابد أن يغطيها الآن وإلى الأبد.
لكنه انسحب بعيدًا في النهاية، وقبلها، وغطى نفسه وبدأ في تغطيتها. تمددت وهي تتطلع إلى أغصان الشجرة، عاجزة حتى عن الحركة. وقف وأحكم بنطلونه، وهو ينظر حواليه. كان كل شيء كثيفًا وصامتًا، عدا الكلب المرعوب الذي استلقى ومخلباه عند أنفه. جلس من جديد على الأجمة، وأخذ يد كوني في صمت.

د. هـ. لورنس:
عشيق الليدي تشاترلي

مهمه

مهمة لمدة أسبوع

أحسستُ به، وهو يتسلل في الظلام- في خفة- كالمعتاد إلى السرير، حتى لا يوقظني. لابد أن الساعة قد تجاوزت الآن الثانية صباحًا.
نائمةٌ ولكن ليس تمامًا. شيءٌ داخلي مستيقظ، ويحس بحركته الناعمة. دائمًا- أو غالبًا- ما أحس بدخوله إلى السرير، ثم أغوص من جديد في النوم العميق، وهو يحتضنني من الوراء ويده على ثديي.
يده على ثديي. لكنها هذه المرة تداعبه، تتحسسه، فتسري ذبذبات مخدرة في جسدي، بين الوعي واللاوعي، وخاصةً عندما تصطدم يده- دون أن يدري- بالحلمة النائمة. من ثديي يسري خدرٌ لذيذٌ يلف جسدي من رأسي إلى قدمَي.. بلا قدرة على الحركة. أحس بأعضائي تتفكك، تسترخي، تتراخَى، وتستيقظ في نفس الوقت، وأنا نائمة.
تتسلل يده تحت الملابس. يده على بطني تتحسسها، تستكشف السُّرة، يدس إصبعه فيها كأنه يستكشف عمقها واتساعها لأول مرة، لكني أحس باللذة. لا تهبط يده إلى أسفل، كما كنتُ أشتهي، بل تصعد- من الداخل- إلى ثديي. تنتصب الحلمة مع أول لمسة كأنها كانت تنتظر، ويرتعش جسدي في حضنه. تصطدم مؤخرتي في رعشتها بجسده، فأحس بانتصابه، في الشق الفاصل بين الردفين. لمساته الناعمة تحيط بثديي، وتخص الحلمة المنتصبة باهتمام زائد، فتسري كهرباء ناعمة في جسدي كله، فيبدأ في الاستيقاظ والشهوة.
كم مرَّ من الوقت، وماذا جري، وماذا فعل بجسدي؟ النوم مسيطرٌ لا أستطيع الخروج منه للتفاعل، ولكني أحس بما يجري، أستمتع به، ولا أريد له أن يتوقف. فجسدي يريد المزيد، يريد الارتواء. نائمةٌ وجسدي مستيقظ، يشتعل في يديه، ويتفتح له.
يده تتسلل إلى ما داخل ملابسي التحتية. وجسدي يرتفع عن المرتبة ليسهل له ما يريد. أصبح نصفي السفلي عاريًا. من الخصر حتى أصابع القدمين، يتلامس وعريُه التحتي، الذي يبحث عن منفذ له إلى داخلي. ليس هنا، تحت قليلاً. حركة بسيطة من جسدي، وأحسستُ به قد وجد بداية الطريق. مع التلامس، ازداد اشتعالي.
عاود احتضاني بيده على ثديي، يدعكه، وهو يدفع بجسده إلى بوابتي السرية، مندسًّا بين فخذَي. تصاعدت استثارتي، ورغبتي في أن أحس به داخلي. لا أريد تغيير الوضع، أستمتع باحتضانه لي على امتداد جسدي، وهو يوشك على اختراقي. وضع اعتدتُ عليه معه، وكثيرًا ما وصلت إلى الأورجازم خلاله.
فتحت فخذَيَّ قليلاً، ودفعتُ بمؤخرتي إلى الوراء، فاقتحمني، وأحسست بسخونته داخلي. ضغطتُ عليها، احتضنتُها، اعتصرتُها، مصصتُها. تراجع جسده قليلاً مبتعدًا عني، ثم دفعه- مرةً واحدةً- فغاص بكامله في أعماقي. نعم.. هكذا.. أمتلئ به، ويخترقني.
تفككت أعضائي تمامًا، واستسلمت لضرباته التي أتلقاها. ينسحب قليلاً ثم يقوم بضربة تغوص إلى أعماقي. أشتعل، وأصاب بالجنون من اللذة.. لا أستطيع سوى أن أهيئ له أفضل وضع لتصل كل ضربة إلى هدفها. يشدني إليه بقوة وخشونة غير معهودة، يُحكم احتضاني فيلتصق بي، ويده تعتصر ثديي، تفرك الحلمة الهائجة، فيزداد هياجي من كل ناحية.
أحس بجسده يرتفع قليلاً، يهبط على جسدي، ويده تدفعني من كتفي إلى الانكفاء على وجهي. يستجيب له جسدي، يطيعه، فيركبني، وهو يباعد بين صدره وظهري. مؤخرتي فقط هي المسحوقة تحته، تتلقي الضربات الخارجية من جسده كلما تلقيت في أعماقي الضربات الساحقة.
تتسارع الضربات وتزداد عنفًا. أستمتع بالاستسلام لعنفه وخضوعي الكامل له، فيتصاعد هياجي واستثارة جسدي، وأنا تحته مفشوخة، أنتظر الضربة القادمة التي تدفعني خطوة أخرى نحو الوصول. كلما امتصصتُ ضربة داخلي، انتظرتُ التالية، فالتالية.. وكل ضربة ترج جسدي كله، وتكاد تسحقه. يضمني بعنف تحته، وهو متحكم في جسدي، يعتصرني، وهو يواصل الضربات القوية المتسارعة.. أحس بانفجار سخونته داخلي تغرقني بالهياج، فينفجر معه جسدي، ويعتصر زبه داخلي بأقصى ما يستطيع.

قبل أن أفتح عيني في الصباح، مددت ذراعي لأطمئن إلى وجوده. كان مكانه خاليًا. صحوت.. كان نصفي السفلي عاريًا. تذكرتُ ما جرى في الليل. وجدت الملابس مرمية على الأرض، الناحية الأخرى من السرير. التقطتها، وارتديت الملابس بلا سليب.. رغم البلل الذي أحسه ما يزال داخلي لزجًا.
خرجتُ من الغرفة. لابد أنه في الغرفة الأخرى يشرب قهوته الصباحية، بعد أن استيقظ مبكرًا قبلي على غير العادة.
لم يكن موجودًا.
تذكرت في ذهول أنه مسافر منذ ثلاثة أيام إلى الخارج، في مهمة لمدة أسبوع.

قصة مترجمة

الفردوس

وكأننا في الفردوس

جثوت على ركبتي، وجردته من ثيابه على مهل.
رأيت عضوه قد استرخى. قبلت باطن ساقيه بدءًا من القدمين.. تأثر عضوه بقبلاتي فلامسته، وأخذته في فمي بلا تسرع ولا تلميح، وكأنني أستنهضه للقيام بمهمة عاجلة: "هيا حضِّر نفسك للتحرك"؛ قبلتُه بحنان مَن لا ينتظر شيئًا. ولهذا نلتُ كل شيء.
اهتاج، وبدأ يداعب نهدي راسمًا حول حلمتي دوائر.. اشتعلت في أحشائي الرغبة ليلجني أينما شاء، وبالطريقة التى يمتلكني بها، سواء في فمي أو في عضوي.
لم يجردني من سترتي.. مددني على الطاولة على بطني وساقاي مُسندتان على الأرض، وولجني على مهل بلا قلق، بلا تشنج، ولا خوف من أن يفقدني.
عضوه داخلي.. ويده تتلمس صدري وردفيَّ.. تتحسسني.. كامرأة وحدها هي القادرة على ذلك. عندئذٍ، فهمت أننا مخلوقان أحدنا للآخر، لأنه يستطيع أن يكون امرأةً مثلي، وأستطيع أن أكون رجلاً مثله. وها إن نصفينا يلتقيان لكي يكتمل الكون.
كلما ولجني وداعبني بلمساته، أحسستُ أنه لا يلجني أنا فقط، بل يلج الكون كله.
ثبَّت عضوه فيَّ... فيما كانت أصابعه تنتقل بسرعة من نقطة حساسة إلى أخرى.
بلغتُ نشوتي الأولى والثانية والثالثة.. كانت لديَّ الرغبة في إبعاده، لأن ألم اللذة كان قويًّا جدًّا.. وفجأةً تفجر شيءٌ ما داخلي.. لم أعد أنا نفسي، بل صرت كائنًا متفوقًا على كل ما عداي.
عندما أوصلني بيده إلى النشوة الرابعة، رأيتني أدخل مكانًا حيث السلام الكامل.
وفي النشوة الخامسة، بلغتُ آفاقًا بعيدة.. عندئذٍ أحسستُ أن عضوه يعيد التوغل فيَّ من جديد، ويترافق جموحه مع حركة يده. كانت أظافره مغروزة في ردفيَّ.. وأنا ممددةٌ على بطني فوق طاولة المطبخ، فكرتُ أنه ما من مكان أروع من ذلك المكان لممارسة الحب.
من جديد، سارع إلى غرز أظافره فيَّ بشكل مؤلم، وعضوه يجلد عضوي بقوة. كان جسده ملاصقًا لجسدي. كان يجهر: تعالي...
لم تكن الإحدى عشر دقيقة هي الزمن المعهود، بل كانت الأبدية.. كنا كأننا خرجنا كلانا من جسدينا، ودخلنا الفردوس، حيث التفاهم التام، وما تعنيه كلمة حب.
كل شيء بدا صامتًا يُصلي، كأن الكون كله صار في حالة خشوع.. ثم ما لبث أن رجع الكون كله إلى مستقره، والزمن إلى دورانه. سمعتُ صرخاته وصرخت معه.. كانت قوائم الطاولة تضرب الأرض بعنف، دون أن يزعجنا الضجيج. ولم نسأل ماذا ستكون ردة فعل الناس.
أخرج عضوه مني.. أخذتُ أضحك وضحك هو أيضًا.. تعانقنا ملتصقين أحدنا بالآخر.. كأننا نمارس الحب لأول مرة فى حياتنا.
قال لي: باركيني. باركته دون أن أعرف ماذا أفعل.. ولكني شعرت فقط بما يلتمسه مني.... وتوسلت إليه أن يفعل الشيء نفسه.
قال: هذه مباركة مني إلى المرأة التي أحببتها كثيرًا.. كانت كلماته جميلةً، فتعانقنا من جديد، وبقينا على هذه الحال وكأننا في الفردوس.

باولو كويلو: رواية "11 دقيقة"

ماء المتعه

نتقاذف ماء المتعة

بدأ يقترب، كان يتقدّم بخطوات ثابتة ومركّزة في بطئها. خلالها كان يرفع ثيابه ويثبّت بصره على جسدي، بينما أصبح ذلك الألق لهبا.
كان كأنّه يتوحّد، كأنّه يتجمّع، كأنّه يتوثّب. كان يغطّي جسده شعر أسود كثيف. وكان جسده قويّا ومستفزًا وغاضبا.
عندما بلغني كان قردًا جميلاً.
تسلّلت أصابعي، لامست فخذي فعلمت أنّ الصراع سيكون حربا لن تنتهي.
كلّ جسد سيقاتل من أجل متعته حتّى الدّم. سأغسل بدم المتعة وسأغسله كطفلي.
لم يعد البلاط يئزّ تحتنا بل كان يصرخ.
كنت أحلم بأن يتكسّر ونسقط من قمّة متعتنا في الفضاء ونطير. نسقط من جديد، وإذا بنا في البحر نتلاطم بين الأمواج بأجساد مشقّقة عطشا. ولن نعرف كيف نرتوي. نظلّ نتقاذف ماء المتعة، نتراشق به، نرشفه، نبصقه، نمتصّه، نتلمّظه، نسبح فيه ونتخبّط، ثمّ نهتدي ونشرب ولا نرتوي.
نسقط وإذا بنا في الأدغال. ننطّ على الأغصان الضخمة الغليظة، نقفز على الجذوع الضاربة في العمق. نجلس القرفصاء تحت الفيء. نتمدّد على الأوراق العريضة. نقضم الثمر الغجريّ. يغطس هو في جوز الهند المشقّق يمتصّ رحيقه ويأكل لحمه. وألتهم ثمر الموز بنهم خرافيّ. ولا نشبع.
نسقط، وقد أغرتنا لعبة السقوط. نكتشف أسرار المتعة الهاربة. نركض وراءها، نسعى للإمساك بها ولا ندركها.
تسلّل ضوء الصباح. أزاح ستار الظلام، وإذا بنا في بستان المتعة، ممدّدين، تعبث أصابعنا بماء يسري حولنا، وتلفّنا رائحة ستظلّ موشومة في الذاكرة.

امال مختار ------- نخب الحياه

جسدك

يانيس ريتسوس:
جسدك.. صمت متعدد الأصوات

أُرِيدُ أن أصِفَ جَسَدَكِ. جَسَدُكِ بِلاَ حُدُود، جَسَدُكِ تُوَيجُ وَردَةٍ رَهِيفَةٍ فِي كُوبِ مَاءٍ صَاف.
جَسَدُكِ غَابَةٌ بَرِّيَّةٌ بِأربَعِينَ حَطَّابًا أسوَد. جَسَدُكِ سُهُولٌ مُنَدَّاةٌ قَبلَ شُرُوقِ الشَّمسِ.
جَسَدُكِ لَيلَتَانِ بِأبرَاجِ الجَرَس، بِنَيَازِكَ وَقِطَارَاتٍ خَارِجَةٍ عَن القُضبَان.
جَسَدُكِ بَارٌ مُعتُمٌ بِبَحَّارَةٍ سُكَارَى وَتُجَّارِ تَبغٍ؛ يَقضُمُونُ أظَافِرَهُم فِي الرَّقص، يَكسِرُونَ الأكوَابَ، يَبصُقُونَ، يَسُبُّون.
جَسَدُكِ بَحرِيَّةٌ كَامِلَةٌ- غَوَّاصَاتٌ، مُدَمِّرَاتٌ، فُرقَاطَاتٌ؛ المَرَاسِي المُقَعقِعَةٌ مَرفُوعَة، المِيَاهُ تَفِيضُ عَلَى السُّطُوح؛ أحَدُ صِبيَانِ السَّفِينَةِ يَقفِزُ مِن الصَّارِي إلَى البَحر.
جَسَدُكِ صَمتٌ مُتَعَدِّدُ الأصوَاتِ مَزَّقَته خَمسُ سَكَاكِين، وَثَلاَثُ حِرَابٍ، وَسَيف.
جَسَدُكِ بُحَيرَةٌ شَفَّافَةٌ- فِي أعمَاقِهَا يُمكِنُ أن نَرَى المَدِينَةَ البَيضَاءَ الغَارِقَة.
جَسَدُكِ أخطَبُوطٌ وَحشِيُّ ضَارٍ بِمَخَالِبَ دَامِيَةٍ فِي الإنَاءِ الزُّجَاجِيِّ لِلقَمَر، فَوقَ الشَّوَارِعِ المُضَاءَةِ حَيثُ مَرَّت فِي الأصِيلِ جِنَازَةُ لامبِرَاطُورِ الأخِيرِ بِمُهَابَةٍ بَطِيئَة.
أزهَارٌ كَثِيرَةٌ مَدهُوسَةٌ مَنقُوعَةٌ بِالجَازُولِين فَوقَ الإسفَلت.
جَسَدُكِ مَبغًى عَتِيقٌ فِي شَارِعِ "سُوبُوربِيَا" بِدَاعِراتٍ عَجَائِزَ مُلَطَّخَاتٍ بِأحمَرَ شِفَاهٍ شَحمِيٍّ رَخِيص؛ يَضَعنَ رُمُوشًا طَويلَةً مُستُعَارَة؛
هُنَاكَ أيضًا عَاهِرَةٌ شَابَّةٌ بِلاَ خِبرَة- تُسَلِّي نَفسَهَا بِجَمِيعِ الزَّبَائِن،
تَترُكُ نُقُودَهَا عَلَى مَائِدَةِ اللَّيل، تَنسَى أن تُحصِيهَا.
جَسَدُكِ فَتَاةٌ مُتَوَرِّدَةٌ، تَجلِسُ تَحتَ شَجَرَةِ التُّفَّاحِ وَهيَ تَقضُمُ كِسرَةَ خُبزٍ طَازجٍ وَثَمَرَةَ طَمَاطِمَ مُمَلَّحَةً، تَدفِسُ بَينَ الحِينِ وَالحِينِ وَردَةَ تُفَّاحٍ بَينَ ثَديَيهَا.
جَسَدُكِ زِيزٌ فِي أُذُنِ جَامِعِ الكُرُوم- يَرمِي ظِلاًّ بَنَفسَجِيًّا عَلَى الرَّقَبَةِ الَّتِي أحرَقَتهَا الشَّمسُ، وَيُغَنِّي مِن تِلقَاءِ نَفسِه مَا لاَ تَستَطِيعُ كُلُّ هَذِه الكُرُومِ مُجتَمِعَةً أن تَقُولَه.
جَسَدُكِ نُقطَةٌ مُراقَبَةٍ، طَابِقُ درَاسٍ كَبِيرٍ عَلَى قِمَّةِ تَل-
أحَد عشرَ حِصَانًا فِي بَيَاضِ الثَّلجِ يَدرِسُونَ خِلاَلَ حِزمَاتِ أسفَارِ الكِتَابِ المُقَدَّس.
القَشُّ الذَّهَبِيُّ يَشبِكُ مَرَايَا صَغيرَةً فِي شَعرِك، وَالأنهَارُ الثَّلاَثَةُ يَلتَمِعُونَ حَيثُ تَنحَنِي ثَلاَثُ بَقَرَاتٍ ضَخمَةٌ سَودَاءُ بِتِيجَانٍ صُلبَةٍ، تَشرَبُ المَاءَ وَتَبكِي.
جَسَدُكِ بِلاَ حُدُود.
جَسَدُكِ يَستَعصِي عَلَى الوَصف. وَأنَا أُرِيدُ أن أصِفَه، أن أضُمَّه بِقُوَّةٍ إلَى جَسَدِي، لأحتَويه وَيَحتَوِينِي.

انفجار

أنفجر في البراح المبــاح

..............................................
شهقتُ. لكنه كان قد انزلق داخلي، بفعل البلل الذي يشبه بحيرة ساخنة غير مرئية. غبتُ في عالم سحري، تلاشى خلاله الزمن والتفاصيل المألوفة. فأين ذهبت الجدران والسقف والشبابيك؟ لماذا انتقلتُ دفعةً واحدة من عالمي إلى عالم آخر، بفعل حركة واحدة منه؟ ليست أية حركة، لكن هذه الحركة بالتحديد؟ نقلةٌ جذرية، تكف فيها الملكات العقلية عن العمل لتحيله إلى الإحساس والغريزة الأولى. أحاسيس لم أكن أدري بوجودها داخلي تنبت وتزدهر كأشجار باسقة، وأحاسيس تصحو مهللة راقصة رقصة بدائية، وأحاسيس تولد من مناطق لا تخطر بالبال، في أية لحظة من لحظات الوعي. غابة من الأحاسيس أتماوج على إيقاعها الحميم، كقارب خشبي صغير على أمواج بحر هائج.
بلا إرادة، أتماوج، أعلو وأهبط، أصعد وأنزل، أتلوى وأنثني ثم أنفرد، أنقبض وأنبسط، وهو يتلاعب بي، يقودني، كأنه قائد الأوركسترا التي ليست سوى أعضائي المنفلتة مني وأحاسيسي المشتعلة. يغوص إلى أعماقي فيشعل روحي ثم ينسحب فيخبو الحريق، يُسرع الإيقاع فيصعد بي إلى حافة الانفجار، ثم يُبطئ فأتراجع عن الحافة، يفلت جسدي من عقاله، من سيطرتي، يصبح مرهونًا به وبضرباته المتلاحقة التي ألهث في إثرها.
يتفتح جسدي وروحي في مناطق سرية، مناطق مجهولة لا أعرفها ولم تخطر لي ببال. تتفتح وتتصاعد آهاتها الشهوانية تريد وتهفو وتستجدي.. كأن أعضاء جديدة تنبت داخلي في ربيع جسدي، ظامئة جائعة منذ قرون. كُلي مفتوح عن آخري، للشموس والأقمار اللاذعة القاضمة الآكلة، للرياح والعواصف التي تتقاذفني فيما بينها كأني لعبتها أو دميتها، تطيح بي وتحنو عليَّ، تبعثرني وتلملمني، تقذفني وتلتقطني، أنا المغيبة في الحلم أو الغيبوبة، يخترقني من كل الجهات والأبواب المفتوحة، مشتعلةً في أنحائي وتضاريسي وكهوفي الغائرة. فمَن يقول لي ما الذي يجري؟ مَن يقرأ لي الأبجدية التي لا أعرف هجاءها، فتقرأني هي كما يحلو لها، أنا المفعولة فيها بلا حول ولا قوة، في استسلام وخضوع شهيين، على سطح غيمة أطفو، ينهال عليَّ رذَاذٌ دافئ لا أدري من أين، أرفرف بأجنحة من قوس قزح، حولي عصافير ملونة تغرد وتزقزق، تنقرني وتهرب، ثم تنقرني، وتحوم، أمد يدي لأمسكها تروغ وتبتعد ثم تنقض، مناقيرها تلذعني، تقضمني، وتحوم بعيدًا، ثم تنقض لتغوص مناقيرها تشرب مائي قطرة قطرة، فأطفو أتقافز من غيمة إلى غيمة، تحملني إلى سماوات أخرى، وأخرى، وأخرى.
على حافة الانفجار، وخلاياي تقرع الطبول، لا أدري، لكن الضربات تنال الأعماق وحواف الروح. أتصاعد تنهال من كل الأبواب؛ كلي أبواب مشرعة عن آخرها، تجرفني سيوله الساخنة وهي تنفجر داخلي، وتتخلل مسامي الدفينة، وقرعات الطبول تعلو، تعلو، فأنفجر في البراح المباح.

كاثرين لورنس: زمن قادم

انوثه طازجه

أنا آخر سلالة الأنوثَةِ الطَّازَجةِ والمعتَّقة.
أفتحُ ذراعيَ فيبدأ الكون دورته الأحادية الاتجاه.
أبتسم.. فيقطر العسل من شفاهي البكر اللعوب.
أخطو.. فتفقِد الكرة الأرضيَّة توازنها
وحينما تجلْجِلُ ضحكتي تسمع أجراس الزلازل والبراكين تخلخل أنظمة الطبقات السبع
أنا ابنة اللهو والعفاف
ابنة الفسق والطهارة
ابنة السواد والبياض
على حَدِّ إصبَعي تختلِف النُّجوم حَول تحديدِ مواقِعها الأولى.

الشاعرة : فاتنة الغرة